مشكلة في علاقة طلاب الحلقة مع بعضهم
الاستشارة :لديَّ مشكلة؛ أنا معلِّمٌ للقرآن الكريم في أحد الجوامع، ولديَّ مشكلةٌ في عددٍ من الطلاب في المرحلة المتوسِّطة، عددهم 5 طلاب ساءت العلاقة بين اثنين منهم، والسبب هو وجود شخصٍ ثالثٍ.. الكلُّ يتمنَّى أن يكون الثالث صديقه، وألا يمشي مع غيره.
الشخص الثالث –حقيقة- ليس بذلك الطالب الوسيم أو الجميل، ولكنَّه إنسانٌ جذابٌ فيه نوع من القيادة البسيطة، ولا يهمّه من يمشي معه هذا أم هذا، أصبحت متضايقًا من هذه المشكلة.. خاصَّةً وأنَّهم جميعًا من المتميِّزين في الحلقة حفظًا ومراجعة.
كيف أحلُّ هذه المشكلة؟ هل أتدخَّل فيها؟ أم أحافظ على جوِّ التحفيظ وأجعل مشكلتهم خارجيَّة؟ أم أستدعي أولياء أمورهم؟ وربَّما أفقد بعضهم لضعف العلاقة مع أولياء أمورهم، أم أطردهم؟ أم أجعلهم متهاجرين ولا يكلِّم أحدهم الآخر ولكن يحترم كلُّ واحدٍ منهم الآخر؟
الإجابة :
إنَّ أهمَّ ما يُصَفِّي الأجواء ويُحَسِّن العلاقات بين أفراد المجموعة التربويَّة الذين تُحفِّظهم القرآن وتربيهم على الإسلام شيئان:
- زرع الحُبّ.
- والانشغال بالدعوة.
* فبالحبِّ:
سيشعر كلُّ فردٍ بأنَّ زميله أخٌ له، وسيتمنَّى رؤيته بمجرَّد الغياب عنه، ويحبُّ البقاء معه وعدم مفارقته، وسيرى محاسنه ويعينه على تنميتها، وسيتسامح في أخطائه وسيساعده على تصحيحها، وسيستعدّ لمعاونته ولإيثاره على نفسه، وسيشعر الجميع وكأنَّ قلوبهم أصبحت قلبًا واحدًا، وأجسادهم جسدًا واحدًا، ومشاعرهم وأحاسيسهم واحدة، فبعضهم يكمِّل بعضًا.
وبالدعوة إلى الله وإلى الإسلام سيشعر كلُّ فردٍ بمسئوليَّته نحو دينه، والثواب العظيم الذي ينتظره لو أحسن الأداء، أو الذنب إذا قَصَّر، فيستعلي على ما بينه وبين أخيه، بل وسيجتهد في تصفيته سريعًا حتى لا يكون عائقًا لهما، إذ الإسلام يحتاج جهودهما وغيرهما مجتمعين، بينما الفُرقة ستكون سببًا في تقصيرهما وضياع الثواب منهما، بل وربَّما إثمهما.
والحُبُّ يُزرع بما علَّمنا إيَّاه الإسلام:
- بالتعارف التفصيلي -ما أمكن- عن الظروف والأحوال، فإنَّ ذلك ممَّا يوثِّق العلاقة بينهم.
- والتزاور، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوَّأت من الجنَّة منزلا) رواه الترمذي وقال الألباني حديثٌ حسن.
- وبالتهادي، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا) رواه أبو يعلى وقال الألباني حديثٌ حسن.
- وبالإعلام بالحبّ، فقد روى أبو داود بسندٍ حسنٍ أنَّ رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمرَّ به رجل، فقال: يا رسول الله إنِّي لأحبُّ هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أأعلَمتَه؟) قال: لا، قال: (أَعلِمه) قال: فلحقه، فقال: إنِّي أحبُّك في الله، فقال: أحبَّك الذي أحببتني له، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
- وبإفشاء السلام، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدُّلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
- وبالسؤال والمشاركة في الأفراح والأحزان، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم.
- وبالتسامح، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار وبمن تُحرَّم عليه النار؟ على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ ليِّنٍ سهل) رواه الترمذي وقال حديثٌ حسن.
- وبالتفاهم، كما يقول تعالى: (وأمرهم شورى بينهم).
- وبحفظ اللسان وعدم كلام كلٍّ عن الآخر إلا بخيرٍ حتى لا تُشحن الصدور، كما يقول تعالى: (أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا).
- وبالنصرة، كما يقول تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
- وبالصدق في الأقوال والأفعال والمشاعر والنصائح، فإنَّ الكذب يثير الشكوك ويباعد القلوب، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (فإنَّ الصدق طمأنينة، والكذب رِيبَة) رواه الترمذي بسندٍ صحيح.
- وأخيرًا، فليحذر المتخاصمون من تأجيل مغفرة الله لهم، كما يقول صلى الله عليه وسلم: (تُفتح أبواب الجنَّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكلِّ عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم.
* والدعوة:
يُتدرَّب عليها تدريجيًّا باهتمام كلِّ فردٍ بالدوائر المحيطة به.. كجيرانه وأقاربه وأصحابه وزملائه وروَّاد المسجد والنادي وأماكن التجمُّع التي يتعامل معها.
وتدريبه على تنويع أساليب الدعوة بين القدوة، والكلمة، والخدمة، والزيارة، وتوزيع الشريط والكتاب، ونحو ذلك.
ولتحذر -أخي الكريم- من طردهم.. فلو طردتهم فمن لهم؟ وأين سيتعلَّمون ويتربَّون على الإسلام؟! وهل الطرد سيُصَفِّي ما بينهم؟! إنَّه في الغالب سيزداد، كالمرض الذي يُترَك دون علاج، ولتتذكَّر قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكَّرون).
وإيَّاك أن تحافظ فقط على ظاهر الانتظام في حلقة التحفيظ، أو أن يحترم فقط كلٌّ منهم الآخر –رغم أنَّه يهجره– دونما حبٍّ بينهما، فإنَّ ذلك تركًا للمشاكل دون حلٍّ مبكِّرٍ لها، ممَّا سيجعلها تتفاقم مع الوقت، وستتفجَّر يومًا ما وتدمِّر تجمعهم تمامًا رغم ظنِّك أنَّك بهذا الأسلوب تحافظ عليهم! فالإسلام يواجه المشكلات إيجابيًّا بمعرفة أسبابها وحلِّها لا سلبيًّا بتركها.
ولا داعي لاستدعاء أولياء الأمور، فإنَّك تربِّي رجالاً مسلمين أقوياء، يمكنهم تحمُّل المسئوليَّات واقتحام صعاب الحياة والانتفاع بخيراتها، وحلّ مشكلاتهم بأنفسهم لا بغيرهم، إلا إذا كان استدعاؤهم هو لأخذ آرائهم واقتراحاتهم في الحلول، ومساعدتهم على تصفية النفوس فلا بأس، لكن ليس لعقابهم أو لقهرهم على حلٍّ مُعيَّنٍ ليسوا مقتنعين به أو مستعدِّين لتنفيذه، فإنَّ ذلك ضرره أكثر من نفعه، إذ سيدفعهم إلى مزيدٍ من السلبيَّة والتباغض والتباعد.
وفقك الله وأعانك وزادك حرصا.. ولك ثوابك العظيم.
ولا تنسنا من صالح دعائك.
نقلاً من موقع ( إسلام أون لاين )
استشارات ذات صلة
- مشكلة كثرة حركة الطلاب داخل الحلقة
- طالب متميز في الحلقة، ومتغير في التعامل مع أهله
- طلابي تركوا الحلقة.. كيف أعيدهم؟!
- ما أهداف التربية في حلقات تحفيظ القرآن؟
- طالب متميز ومشكلته الفوضى والتشتيت
- كيف يضع مدرس الحلقة خطته الفصلية
- تغير سلوك الطلاب
- طلابي يتنابزون بالألقاب
- منهجية الحفظ والمراجعة للحلقات
- هل أحفظ الطلاب نظم هداية المرتاب للسخاوي؟
- عنوان الاستشارة: مشكلة في علاقة طلاب الحلقة مع بعضهم
- كاتب الاستشارة: أجاب عن الاستشارة د. محمد محمود منصور
- أضيف بتاريخ: السبت 10-01-1431 هـ
- في قسم استشارات خارجية
- شُوهد: 1230 مرة
