هل أعجبك موقع حلقات ؟

جامعة المدينة العالمية

أنت الآن في: موقع حلقات » مقالات » مقالات في حفظ القرآن الكريم » وصايا لحملة القرآن

وصايا لحملة القرآن

الوصية الأولى:
ألا سأل أحدكم نفسه هذا السؤال: لماذا أحفظ القرآن؟ ألا إني صحبت قوماً يحفظون فحفظت معهم؟ أم لأني درست في مدرسة تحفيظ القرآن؟ أم ليقال: حافظ؟ أم لأن والدي ألزمني بذلك. فهلا حرصنا على تصحيح النية، واستصحاب الإخلاص لله وحده.
عن إياس بن عامر قال: أخذ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بيدي ثم قال: "إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف، فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب به أدرك". [أخرجه الدارمي 3329، والآجري 25].

الوصية الثانية:
إن من أعظم حقوق كتاب الله دوام التلاوة، وتكرار القراءة، وكثيراً ما يصف الله عباده المتقين بأنهم يتلون كتابه حق تلاوته:
(إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور). [فاطر: 29].
(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ). [آل عمران: 113 - 115].

الوصية الثالثة:
لقد ضرب لكم النبي صلى الله عليه وسلّم مثلاً بصاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها". [رواه البخاري 5033، ومسلم 791].
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه صلى الله عليه وسلّم قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". [رواه البخاري 5031، ومسلم 789].
فالله الله في تعاهد ما حفظتموه، وإياكم أن تفرطوا بهذه النعمة التي حباكم الله تبارك وتعالى إياها.
الوصية الرابعة:
لقد قرأتم في كتاب الله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ). [ص: 29]. (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). [محمد: 24].
فتدبر القرآن والعمل به هو الأساس، وإياكم أن يقف همكم عند مجرد إقامة حروفه.

الوصية الخامسة:
يفتن كثير من الشباب بالشهوات، ويخرون صرعى أمام دواعي الفتنة، والإغراء التي عمت وطمت في هذا العصر، أما أنتم فلكم شأن آخر
أحدهم إن أحس فراغاً صار يفكر في شهوته قد شغلته المجلة الهابطة والفيلم الساقط والنظرة الآثمة، وأنت إن وجدت الفراغ قرأت القرآن، فمصحفك في صدرك تتلوه أينما كنت، وهو تتعلق نفسه بفتاة وربما بغلام، وهذا عنوان موت القلب، وعلامة العطب والخذلان عافانا الله وإياكم، أما أنت فتتعلق همتك، ونفسك للاقتداء بأنبياء الله، ومن قص الله عليك قصتهم في كتابه، وهو يفتن بالغانيات من أبناء الدنيا، أما أنت فقد عقدت العزم على خطبة الحور العين الكواعب الأبكار فتأيمت مما حرم الله عليك لتظفر بها في دار البقاء والنعيم.
فكن أيماً مما سواها فإنها *** لمثلك في جنات عدن تأيم

الوصية السادسة:
لقد رفع الله الناس في هذه الدنيا منازل ورتب:
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ...). [الأنعام: 165].
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً...). [الزخرف: 32].
وها أنتم ترون الناس حولكم وقد حازوا من الدنيا إلى رحالهم ما حازوا: الشرف، المال، الجاه، التفوق، وأنتم - شأنكم شأن سائر البشر - قد تمتد أعينكم إلى ما هم فيه، لكنكم حين تتذكرن أنكم قرأتم في كتاب الله وصيته لنبيه: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). [طه: 131]. تزهدون بما هم عليه وترضون بمنزلتكم العالية )أهل الله وخاصته).

الوصية السابعة:
يا أهل الله وخاصته، يا من رفع الله شأنكم وقدركم لقد كان أهل العلم يوصون طلابهم بحفظ ما قال القاضي الجرجاني:
يقولون لي فيك انقباض وإنما *** رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم *** ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما *** بدا طمع صيرته لي سلماً
إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى *** ولكن نفس الحر تحتمل الضما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي *** لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة *** إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا *** محياه بالأطماع حتى تجهما
ألستم يا أهل القرآن أولى بهذا الخطاب؟ وأحق بتلكم الوصية؟. إن هناك من أرخصوا هذه النعمة، واستخفوا بهذه المنزلة.
أترون يا أهل القرآن: أن أولئك الذين سخروا القرآن للقراءة في المآتم، أو الموالد والبدع المحدثة، أترون أولئك عرفوا حق القرآن؟ والآخرون الذين جعلوا من حفظ القرآن فرصة للتكسب والتجارة، وأخذ المبالغ الطائلة على التسجيل والتلاوة، وأولئك الذين جعلوه فرصة للإمامة ببعض العلية وكبار القوم، وصاروا يهينون أنفسهم في مجالس لا يذكر فيها اسم الله إلا قليلاً، ويرون ويسمعون ما يناقض كتاب الله صراحة ومع ذلك لا يحرك فيهم ساكناً أو يثير فيهم غيرة، أو أولئك الذين يحترفون الرقية ليجعلوا من حاجات المرضى وضعف نفوسهم تكأة للثراء وسلماً للشهرة... وغير أولئك كثير أترون هؤلاء عرفوا حق القرآن؟
فأعيذكم بالله يا أهل القرآن أن ترخصوا نفوسكم، وتستبدلوا المكانة التي بوأكم الله إياها بهذه المطامع القريبة.

الوصية الثامنة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". [رواه البخاري 5023، ومسلم 792].
وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". [رواه البخاري 7527].
وقال: النووي: "قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها"، فزينوا أصواتكم بالقرآن، وتأسوا بأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

الوصية التاسعة:
قديماً قيل: " لا يؤخذ القرآن عن مصحفي، ولا العلم عن صحفي". فمن أتم منكم حفظ القرآن، فليتم قراءته على شيخ حافظ متقن، وإن قرأ على من يجيزه بالإسناد إلى من نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلّم فهو خير وأولى، وهم والحمد لله متوافرون، فاحرصوا حفظكم الله على الإجازة والإسناد فهي سنة ورثها السلف للخلف، والإسناد من خصائص هذه الأمة.
وكما قال: محمد بن المنكدر: "قراءة القرآن سنة يأخذها الأول عن الآخر".
وقال عروة: إنما قراءة القرآن سنة من السنن؛ فاقرأوه كما علمتموه".
وأول ذلك تلقي النبي صلى الله عليه وسلّم من جبريل كما يحدث بذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - فيقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلّم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة". [رواه البخاري 1902، ومسلم 2308].
لكن إقامة الحروف، وحسن التلاوة، وتحقيق التجويد تعني معنى آخر غير التكلف المذموم، والتشدق والتنطع، ولذا أوصى أهل العلم سلفاً وخلفاً قارئ القرآن بالبعد عن التكلف، ومجاوزة التنطع.
قال الإمام الذهبي: "فالقراء المجودة فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله تعالى، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله ويخليه قوي النفس مزدرياً بحفاظ كتاب الله تعالى، ينظر إليهم بعين المقت وأن المسلمين يلحنون". [زغل العلم، ص 25].
وعّد الحافظ ابن القيم رحمه الله من الوسوسة: الوسوسة في مخارج الحروف، ونقل جملة من النقول عن أهل العلم ثم قال: "والمقصود أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته". [إغاثة اللهفان 1/ 254].
ولا يقود الفرار من ذلك إلى إهمال التجويد، والعبرة في حد الإتقان وحد التكلف بأهل هذا الفن الذين تلقوه بالإسناد المتصل إلى من قرأه على جبريل عليه السلام.

الوصية العاشرة:
حين يؤم أحدكم المسلمين فأعيذكم بالله أن يكون ممن يحب أن يجتمع الناس عنده ويفدوا إليه، فيدعوه ذلك للعجب والتكلف.
عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل رضي الله عنه يقول: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلّم عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته، وقال: مرة نزلت سورة الفتح وهو في مسير له فجعل يقرأ على راحلته قال: فرجَّع فيها، قال: فقال: معاوية - يعني ابن قرة - لولا أن أكره أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم قراءته". [رواه البخاري 4281، ومسلم 794].
فانظر إلى ورعه رضي الله عنه، وهو يريد أن يحكي لهم قراءة النبي صلى الله عليه وسلّم فكيف بمن يتعمد ذلك؟.
إن من أول الثلاثة الذين يقضى عليهم يوم القيامة "رجل تعلم العلم وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها. قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار". [رواه مسلم 1905].
قال: الإمام الآجري رحمه الله: "ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يُستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه أبناء الدنيا، والصلات بالملوك دون الصلات بعوام الناس، فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع من القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم ممن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته وانتفع به الناس". [أخلاق أهل القرآن، ص 161].

الوصية الحادية عشرة:
حذار من آفة الآفات، ومصيبة المصائب (العجب بالنفس) حين يأتي الشيطان أحدَكم فيقول له قد أتممت حفظ القرآن، فأنت خير من فلان وفلان، وأنت من أهل الله وخاصته، وأنت أولى بالإمامة من زيد، وبالإمارة من عمرو.
فالحذر الحذر يا أهل القرآن من التشبه بمن قال: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). [ص: 76]. فحقت عليه: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ). [ص: 78].

الوصية الثانية عشرة:
إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الجافي عنه والغالي فيه، فما نصيب أساتذتكم ومشايخكم في القراءة من تقديركم وإجلالكم، فهم من أولى الناس بدعائكم الصالح بظهر الغيب، وثنائكم عليهم، واستغفاركم لهم، وتواصلكم معهم.
ورفاقكم في الدرس القرآني، لهم عليكم حق الإجلال، وحسن المعاملة، والحب في الله، والتآخي من أجله، فاعرفوا لكل ذي حق حقه.

الوصية الثالثة عشرة:
لقد قرأتم في كتاب الله عز وجل قوله عن الجن: (َإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ* يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ...). [الأحقاف: 29 - 31].
فهلا فعلتم ما فعلوا، وصنعتم ما صنعوا، فأنذرتم ودعوتم، وكنتم مشاعل خير وهدى للناس؟.
ألم تقرأوا في القرآن سير الأنبياء، والدعاة إلى دين الله، ألم تقرأوا في القرآن: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). [فصلت: 33].
فلكم أقران لم يعرفوا هذا الطريق، ولم يسلكوا هذا السبيل، فهلا أخذتم على أنفسكم أن تأخذوا بأيديهم إلى أن يسلكوا ما سلكتم، ويسيروا مسيركم، فالدال على الخير كفاعله، ومن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

الوصية الرابعة عشرة:
قد يمن الله على بعضكم بعد حفظ القرآن بالتصدي لتدريسه وتحفيظه، فيثني ركبته في بيت من بيوت الله ليعلم الناشئة ويحفظهم، فيشغله ذلك عن كثير مما يتطلع إليه أقرانه، ويأخذ عليه خلاصة وقته وثمرة جهده، فقد تحدثه نفسه أن يبحث له عن موطن، أو أن إنتاجه محدود، أو أن غير هذا المكان أولى به، وقد يرى غيره ممن يسلك مجالات في الدعوة أكثر نتاجاً وألمع بريقاً.
فالله الله في مواطنكم وثغوركم فأنتم على خير عميم، وخيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وإياكم أن تسمعوا الصوت النشاز الذي ينادي بفشل المواطن التربوية، ويدعو إلى تجاوزها.

الوصية الخامسة عشرة:
إن مما يعين على دوام التلاوة والتعاهد للقرآن الكريم التمسك بالسنة التي ورثناها عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم وعن خير الناس بعده: تحزيب القرآن، هذه السنة التي جهلها كثير، وهجرها قوم ممن من الله عليهم بحفظ كتابه.
والأصل في هذه السنة حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - ولفظه عند مسلم: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإما ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وإما أرسل لي فأتيته فقال: "ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟. قلت: بلى يا نبي الله، ولم أرد إلا الخير، قال: فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام....
ثم قال: واقرأ القرآن في كل شهر. قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقا" قال: فشددت فشدد على، قال: وقال لي: النبي صلى الله عليه وسلّم: لعلك يطول بك عمر".
فصرت إلى الذي قال لي: النبي صلى الله عليه وسلّم. فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلّم". [وهو حديث طويل مشهور، رواه جمع من الأئمة منهم البخاري في 15، موضعا، ورواه مسلم 1159، وغيرهم].
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل". [رواه مسلم 747].
وعن ابن الهاد قال: "سألني نافع بن جبير بن مطعم فقال لي: في كم تقرأ القرآن؟ فقلت: ما أحزبه، فقال لي نافع: لا تقل ما أحزبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: قرأت جزءاً من القرآن". [رواه أبو داود 2931، والمروزي في قيام الليل - كما في المختصر- 751].
وعن أوس بن حذيفة الثقفي ولفظه: "قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وفد ثقيف فنزّلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: ولا سواء كنا مستضعفين مستذلين فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا.
فلما كان ذات ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله، لقد أبطأت علينا الليلة قال: فإنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه.
قال: أوس: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل". [أخرجه ابن ماجه 5431، وأبو داود 3931، وضعفه بعض أهل العلم، لكن حسنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء والحافظ ابن حجر كما في الفتوحات لابن علان. وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره محتجا به على أن المفصل يبتدئ من سورة ق. واحتج به شيخ الإسلام ابن تيميه في حديثه عن التحزيب بالسور والأجزاء].
وقد كان السلف من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم يعتنون بهذه السنة ويحرصون على تطبيقها - ومعظمهم كان يختم في سبع - وقد تواتر ذلك عن السلف رضوان الله عليهم ومما ورد عنهم في ذلك: -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إني لأقرأ جزئي أو قالت سبعي وأنا جالسة على فراشي أو على سريري.
وقال: عبد الله - رضي الله عنه -: "لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرأوه في سبع ويحافظ الرجل على حزبه.
وعن خيثمة قال: "دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقلت له فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة".
والاستطراد في ذكر الشواهد من أقوالهم وأخبارهم يطول، ومن أراد المزيد فعليه بكتب فضائل القرآن ومصنف ابن أبي شيبة ففيها المزيد.
والسنة أن يكون التحزيب بالسور لا بالأجزاء، وقد ناقش هذه المسألة شيخ الإسلام وأطال في تقريرها. [انظر الفتاوى 13/ 409- 114].

وأخيراً:
لقد دأب السلف رضوان الله عليهم على إيصاء حافظ القرآن، وأنا أذكر لك في هذا المقام بعضاً من درر وصاياهم، وجميل نصحهم، عل الله أن ينفعنا وإياك بذلك.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعجمي والأعرابي، قال: فاستمع فقال: "اقرأوا فكل حسن. سيأتي قوم يقيمونه كما يقيمون القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه". [رواه أحمد 14849، وأبو داود 830، والآجري في أخلاق أهل القرآن 28].
وجمع أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - الذين قرأوا القرآن وهم قريب من ثلاثمائة فعظم القرآن وقال: "إن هذا القرآن كائن لكم ذخراً، وكائن عليكم وزراً، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم؛ فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زخ به في قفاه فقذفه في النار". [أخرجه الدارمي 3328، والآجري في فضائل القرآن 3].
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: "ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد من الخلق، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه. وقال: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو". [رواه الآجري 37، وأبو نعيم 8/ 92].
وما أجمل وصية الإمام الآجري في كتابه أخلاق أهل القرآن - وهذا الكتاب لا ينبغي لحافظ القرآن أن يتخلف عن قراءته وتمعنه - وهي وصية طويلة أجتزئ منها يسيراً، قال: رحمه الله: " فأول ما ينبغي له أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه، بصيراً بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما فسد من أمره، حافظاً للسانه مميزاً لكلامه ". [أخلاق أهل القرآن، ص77].
وفيها أيضاً: "إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همه إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف النعم المتواترة؟ متى أشكره عليها؟ متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى؟ متى أجاهد في الله حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي متى أستحيي من الله حق الحياء؟...". [أخلاق أهل القرآن، 79].
وأخيراً أخي الكريم هذا جهد المقل، وهذا ما تيسر تسطيره من قلم عبد ضعيف مقصر في حق كتاب الله تبارك وتعالى.
اللهم اجعل هذا الجهد في ميزان حسناتي، وبارك فيه، وارزقني به شفاعة كتابك الكريم، واجعله حجة لي يوم لا ينفع مال ولا بنون.


وصلى الله وسلم على من كان خلقه القرآن.

 

من كتاب حفظ القرآن للشيخ / محمد الدويش

موقع المربي

 

مقالات ذات صلة

معلومات المقال

- عنوان المقال: وصايا لحملة القرآن
- كاتب المقال: د. محمد بن عبد الله الدويش
- أضيف بتاريخ: الخميس 21-02-1429 هـ
- في قسم مقالات في حفظ القرآن الكريم
- شُوهد: 6145 مرة

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية